تصل لـ10 ملايين سنتيم شهريا.. معاملات مالية كبرى لمؤثري السوسيل ميديا واليوتيوب تستنفر مصالح الضرائب
في خطوة استراتيجية لضبط القطاع الرقمي، استنفرت المديرية العامة للضرائب مصالحها الجهوية لتعقب المداخيل الكبرى غير المصرح بها لمؤثري منصات التواصل الاجتماعي في المغرب.
وتأتي هذه التحركات بعد رصد معاملات مالية ضخمة ظهرت “كتكاليف” في ميزانيات الشركات المتعاقدة مع هؤلاء الصناع، مما كشف عن فجوة كبيرة بين الإنفاق الإشهاري للشركات والتصريحات الجبائية للمؤثرين، حيث بدأت المديرية بتفعيل مساطر التدقيق والمراجعة لاستخلاص المستحقات الضريبية المترتبة عن هذا النشاط المتنامي.
كشفت المعطيات الرقابية عن أرقام “صادمة” لمداخيل بعض المؤثرين، حيث تجاوزت العائدات الشهرية لبعضهم 100 ألف درهم (أكثر من 1.2 مليون درهم سنوياً)، مما يضعهم تلقائياً ضمن الشريحة الضريبية القصوى التي تصل نسبتها إلى 38%. وتشير التقارير إلى أن الإشعارات الضريبية المرتقبة قد تناهز 52 مليون درهم كمبالغ أولية تخص السنوات الأربع الأخيرة، خاصة مع رصد مئات الحالات التي تعتمد على تحويلات مالية وبريدية غير مصرح بها، تنقسم بين عدم الإدراك القانوني وبين المحاولات العمدية للتجنب الضريبي.
من الناحية القانونية، وعلى الرغم من غياب تعريف صريح لمصطلح “مؤثر” في التشريع المغربي، إلا أن الممارسة القضائية والجبائية تكيّف هذا النشاط بناءً على “البعد التجاري”. فبمجرد تلقي صانع المحتوى لمقابل مادي أو هدايا مقابل الترويج لعلامة تجارية، ينتقل نشاطه من “التواصل الشخصي” إلى “العمل التجاري” وفق المادة 6 من القانون التجاري. هذا التكييف يفرض على المؤثرين الخضوع لنظام ضريبي واضح، سواء عبر وضع “المقاول الذاتي” أو تأسيس شركات مهيكلة لتفادي الوقوع في فخ التهرب الضريبي.
تعد كلفة التهرب الضريبي في هذا القطاع باهظة جدا مقارنة بالالتزام الطوعي؛ فالمؤثرين غير المهيكلين قانونياً يواجهون مقتضيات صارمة في المدونة العامة للضرائب تشمل اقتطاعات من المنبع قد تصل إلى 30%. وفي حال رصد الفحص الضريبي لحالات عدم تصريح، تُفرض ذعائر وجزاءات تصل إلى 15%، بالإضافة إلى فوائد تأخير شهرية. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي المماطلة في التصريح بمبلغ 100 ألف درهم إلى تراكم مستحقات تتجاوز 145 ألف درهم بعد سنتين فقط، مما يجعل “فاتورة التأخير” عبئاً مالياً يهدد استدامة نشاط صانع المحتوى.
تندرج هذه الإجراءات ضمن توجه الدولة نحو رقمنة الرقابة الجبائية وإدماج المهن الجديدة في الدورة الاقتصادية الرسمية. ومع تزايد حجم الإنفاق على الإعلانات الرقمية، بات لزاماً على صناع المحتوى في المغرب مراجعة وضعيتهم القانونية والجبائية، ليس فقط لتفادي العقوبات، بل للمساهمة في العدالة الضريبية وتحويل “صناعة المحتوى” من نشاط غير مهيكل إلى قطاع اقتصادي شفاف يساهم في الناتج المحلي الإجمالي، تماشياً مع الطفرة الرقمية التي تشهدها المملكة.



